محمد خليل المرادي

256

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وتصدى للإقراء والدروس . ولازمته الطلبة ، واشتهر فضله ونبله . وكان يقرأ في الجامع الأموي صبيحة غالب الجمعة بالقرب من الحصور عليه السلام ، حذاء المقصورة . ويوم السبت يقرئ في المدرسة الفتحية في البخاري . ويوم الاثنين في العمرية بالصالحية . وكان في عنفوان شبابه . ذهب للديار الرومية إلى قسطنطينية فلم يبلغ أمانيه ، بل شتمه بعض الجهال ، فأداه ذلك إلى اختلال عقله وحجاه . وعاد إلى وطنه في هذه الحالة . ثم ظهرت فيه بعد صدور ذلك لكنة في لسانه . وكان شيخه الشيخ إلياس نهاه عن الذهاب . وقال له المقصود يحصل في هذه الدار . وكان مع ذلك عجيب التقرير . لم ير نظيره في الانتقالات عند الدرس إلى علوم شتى . وقد كان بذلك فريد عصره وأقرانه . وأعطي رتبة الخارج « 1 » المتعارفة بين الموالي . ونظم متن التنوير في الفقه ثم شرحه . ونظم أيضا متن التلخيص في المعاني ثم شرحه . وكلا الكتابين مفيدان . وبعد أن قدم من الروم حصلت له معيشة جزئية . وكان إذا جلس لديه غلام لا ينظر إليه ولا يقرئه ، زهدا منه . وكان يقرأ بين العشاءين الجامع الصغير . وكان ينظم الشعر . فمن ذلك ما قاله مجيبا الشيخ سعدي العمري على أبيات أرسلها إليه بقوله : حلّت محل سواد العين والحور * هيفاء تلعب بالألباب والفكر ذات الوشاح التي أضحت فرائده * ما قد حوى ثغرها من خالص الدرر وغازلتنا فعدنا من لطائفها * نجني معارف حاكت يانع الثّمر في روض أنس وثغر الدّهر مبتسم * وقد أمنّا به من مظهر الغير والرّيح تعبث بالأغصان مذ صدحت * ورق الرياض بنشر طيّب عطر تحكي لطافة مولانا وسيدنا * من فاق أهل العلا بالمنظر النضر خليلنا الفاضل النحرير من لمعت * أنوار فكرته في مبدأ النظر فتى القريض قوافيه إليه أتت * تجرّ أذيالها بالتيه والخفر وتطلب العفو من مولى عوائده * جلّت عن العد والإحصا بمنحصر منها : إن خطّ في الطرس خلت الدّر قد نظمت * أفراده وغدا بالوشي كالحبر

--> ( 1 ) هي مرتبة التعليم الدنيا ، وسبق شرح هذا الاصطلاح وغيره في الجزء الأول ، وانظر فهرس المصطلحات التاريخية في آخر الكتاب .